عبد الوهاب الشعراني
245
تنبيه المغترين
فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : أعندك قوت يومك ، قال : نعم وقوت غد يا رسول اللّه ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : لو كان عندك قوت بعد غد كنت من المثقلين ] ا ه ، فهذا ميزان الشريعة وأنت أعلم بنفسك ، والحمد للّه رب العالمين . الحرفة والصنعة ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : تقديمهم عمل الحرفة والصنعة التي تكفهم عن سؤال الناس على سائر نوافلهم وواجباتهم الموسعة ، وقد سئل الحسن البصري رحمه اللّه تعالى عن رجل يحتاج إلى الكسب فلو ذهب لصلاة الجماعة احتاج ذلك النهار إلى سؤال الناس ، فقال : يتكسب ويصلي منفردا ، وفي الحديث [ أن اللّه عز وجل علم آدم عليه الصلاة والسلام ألف حرفة وقال : قل لولدك يتعلمون هذه الحرف ويأكلون بها ولا يأكلون بدينهم ] وفي الحديث أيضا [ إن روح القدس نفث في روعي إن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها وإن أبطأ عنها فاتقوا اللّه وأجملوا في الطلب ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية اللّه فإن اللّه لا ينال ما عنده بمعصية ] . وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يقول : لا يقعد أحدكم في المسجد ويترك طلب الرزق ويقول اللهم ارزقني فإن ذلك خلاف السنة ، وقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة ، وقد سئل الإمام أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه عن رجل جلس في بيته أو في المسجد وقال : لا أعمل شيئا حتى يعطيني اللّه تعالى رزقي ، فقال : هذا رجل جهل العلم أما سمع قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : [ جعل اللّه رزقي تحت ظل سيفي يعني الغنائم ] . ( قلت ) ويشهد لذلك أيضا حديث الطبراني الذي في الطير وأنها تغدو خماصا وتروح بطانا فقد ذكر فيه أنها تغدو في طلب الرزق ، وقد كان الصحابة رضي اللّه عنهم يتجرون برا وبحرا والقدوة بهم أولى ، وقد قال تعالى : [ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ] « 1 » فسماهم رجالا لما قاموا في الأسباب ولم يشتغلوا بها عن ذكر اللّه وهذا هو الكمال ، وقد روى أن عيسى عليه الصلاة والسلام مر يوما برجل جالس فقال له : ما تفعل ههنا ؟ ، فقال : أتعبد يا روح اللّه ، قال : فمن يعولك ؟ قال : أخي ، فقال له : أخوك أعبد منك ، وفي الحديث أنهم ذكروا للنبي صلى اللّه عليه وسلم رجلا وصاروا يثنون عليه خيرا ويذكرون من عبادته سفرا فقال صلى اللّه عليه وسلم : [ كلكم خير منه ] وكان حذيفة رضي اللّه عنه يقول : خيركم من عمل لآخرته ودنياه .
--> ( 1 ) سورة النور : الآية 37 .